حينما قدمت ل(محمود العبيدي) في معرض النخبة الذي اقيم على صالة جمعية الفنون التشكيلية ، كنت أحاول من خلال تقديمي ذاك ان (احدس) رؤيته الفنية بعد ان تسنى لي الاطلاع على بعض انجازاته ،في اطار ما أدعوه ،بل ما (اشخصه) في الفن العراقي بالنزعه الخليقية أو (النزعة الانسانية التي تجعل من الانسان ممثلا من حيث وجوده التأملي لكل المخلوقات الاخرى باعتباره اكثر الظواهر الخليقية تعبيرا عن كمالها الخليقي) وقد كتبت في حينه في دليل العرض ما يلي:(ان شخوصه هي شخوص}ما بعد –الانسانية{،لانها لم تعد لتخص الانسان فهي تتجاوزه نحو الحيوان وكل العالم والمخلوق ولكنها تبقى انسانية مع ذلك في معناها وهذا ما تفصح عنه طريقته في معاملة اللوحة.)

وقد صدق حدسي فيما بعد وانا اتأمل اعماله الجديدة لكي أقدم فيها الان لمعرضه الشخصي ،وذلك أني سأكتشف اكثر فاكثر ،انه لم يكن ليتخذ من (نزعته) في اختزال عناصر اللوحة التشكيلية في (حدود لحظة الفعل) سوى كونها مدخلا اسلوبيا عاما من اجل الوصول الى (أهمية) الخط باعتباره عنصرا تقنيا له دوره الاساس في (تحديد)الشكل FORM .فكأنه، تشبثه به (يجئ) كوازع انسانوي من اجل انجاز شمولية الوعي الخليقي في عمله الفني....في اثره التشكيلي وستستحيل في المحاولة البينية [(بين) ظهور الشكل (أزاء)اللاـ شكل ]الى ما يشبه (البحث عن الدلالة) :دلالة الوجود الخليقي في الفكر والفن ،فيما هو كتحديد خارجي للمساحات الشكلية Outline of Forms
فهو اثناء معاملته اياه في لوحاته يبدأ به (كتحديد) لكي ينته به الى مساحات لونية محيطة بمساحات اخرى (محدودة) .وباختصار فان الخط Line لدى محمود العبيدي هو تحديد خارجي للشكل استحال في آخر الامر الى مساحة شكلية .وسنرى ان فعل هذا( التحول ) سيتحقق كذلك لديه في مجال التلوين ايضا.فالالوان بالنسبة له تبدو (مختزلة) الى حد استحالتها الى مجرد(درجات) لونية Tones وثمة امر آخر تتمرحل فيه رؤيته الفنية (وهي في حالة تحققها كفعل)اي كعلاقة بين الدوال ستؤدي الى ظهور الدلالة .ذلك ان الموضوع Composition المرسوم سابقا وفق مبدأ الرؤية البصرية ،لا التأمل الذهني :[التمثيل Representation وليس (التعليق)الظاهرتي(من ظاهراتيه ـPhenomenology)]اقول: ان هذا الموضوع المرسوم ،سيعامل من ثم (كبحث Research)ذي مدلول ثقافي او ذهني وفق مبدأ (التصوير) . فالجسد المرسوم في اللوحة سيتألف من مظهره (العام) المحور Deform واجزاء اخرى تفصيلية له.فهي جميعا اي المظهر العام والمظاهر الخاصة التفصيلية (تتجمع) الان في كيان جديد وكانها بحث في معنى الانسان الانسانوي من خلال جسده التشكيلي .فهذه المرأة المستلقية في بعض لوحاته تستلقي ايضا (او ثانية) بواسطة (نهديها) او(كتفيها) .

اذن نحن أزاء (مدلول )كلي لجسد المرأة ترفده (عينات) أو شرائح جزئية منه، و حين نشاهدهما معا: الجسد العام واجزاءه ، من خلال كيان جديد تقدمه اللوحة .فهو (بنية) جديدة للجسد لا يقع في مجال (المرئي) او (اللامرئي) بل في مجال ما هو(مؤلف واللا – مؤلف) معا. وهذا هو بالضبط ما نوه به محمود في تنظيره الذي يثبته في دليل معرض النخبة المار الذكر : [...العثور على اشكال جديدة قابلة (بدورها) للتأويل (أي) لدى المتلقي]

اذن فان رؤيته الان هي رؤية (باحث) لا متأمل ولا ملهم .او قل انها تختزل الالهام الي تأمل فبحث .وهو بذلك يحاول ان يسهم بخيال المثقف في تصحيح احساس المحدق. .انه يتخذ من هذا (التنسيق) لعالم اللوحة

معيارا لاستبدال المنظور التقليدي للنص (باعتباره مجرد وسيلة جاهزة للاستهلاك ) بمنظور جديد يسمح بظهور (نص) لا مرجعية له سوى (وعي) الانسان المبدع ملقيا ام متلقيا .انها وظيفة جاهزة للانتاج وليس

للاستهلاك ...انها وظيفة يمارسها قارئ النص المتمتع بوعيه الابداعي لا التقليدي في معاملة الاثر الفني...وهكذا من جديد يتضح لنا ان (شفرة) Code محمود العبيدي تعتمد على هذا (الحضور) المستمر للعلاقة بين الكل والاجزاء.

ومن جديد سوف نكتشف محورا ثالثا في خطاب محمود العبيدي التشكيلي انها تلك العلاقة الحميمة الناشبة من بين فضاء خارجي يغلف اللوحة وفضاء داخلي (او حيز) يتضمنه السطح التصويري فيها وهي علاقة ذات مدلول خطي ايضا .بمعنى اخر فان الخط لتحديد خارجي للشكل Outline كما سبق ان لاحظناه يستحيل لديه شكل هو الان (الحد الفاصل) بين فضائين وهو اي الفنان لكي يؤكد هذا المعنى الفلسفي للخط وللمعنى الذي بسببه سندعوه بالبعد الواحد فسوف يرسم اطار داخل اللوحة يقع دون اطارها الخشبي محيطا بموضوعها المرسوم مع انه جزء منه فكانه بذلك يمهد لحدود اللوحة الاربعة (اي طولها وعرضها) مؤكدا اهمية الحاشية هذا العالم البيني ما بين العالم كمحيط والعمل الفني وهو في حالة كونه اثرا ما. ان (لعبة) الاطر تلك في لغة العبيدي تظل اذن (دالا) اخر من دوال منظومته ...انها لعبة الولادة والاحتضار معا ...اي الوجود (الحدي) للخط لا كتحديد للشكل ،بل كبعد فحسب


والان ما الذي يدعو محمود العبيدي الى اختيار (ذخيرته) في الخطاب من مفهوم الخط ، لا اللون ولا الدرجة اللونية؟؟ وهل لرؤيته الفنية كمتأمل خليقي ما يجعل منها نظرية معرفية ؟؟ الواقع ان اهتمامه ذاك مع احتفاظه بكل مقومات العناصر الشكلية من لون ودرجة لونية وشكل الخ.... يستطاع تأويله لحساب ما يتأمل (هو) فيه معنى الوجود باعتباره وجودا مشتركا بين شتى المخلوقات او اننا نستطيع الان نفهم مقولته بالصورة التي يحاول ان يوضحها لغويا انه يقول : [ حينما ابصر (نملة) او اي مخلوق اخر يتشبث بالارض اذ هو يجري هنا وهناك فكانما احس وكأن تلك النملة تتعارض واياي وجوديا...ان نملة معينة بالذات يبصرها محمود هي ايضا محمود .وبالمقابل فان محمود هو ايضا تلك النملة... طالما ان ثمة مجالا يتكون ما بينهما (كمفصل) من مفاصل اخرى (تتقاطع) فيها ذوات خليقية اخرى .

وهكذا فنحن (أزاء) فلان هو الانسان وهو الحيوان والنبات والجماد ،كما اننا ازاء (فلان اخر) لانسان وحيوان وجماد اخر ومثل هذه المقولة توضح لنا دونما ريب نزعته ورؤيته معا بما يشبه زن يعبر عن معنى (التناسخ) بين المخلوقات لولا ان ما يعنيه ان يصح ان يكون معنى للتثاقف .

وعلى كل حال فان ما يبحث فيه محمود العبيدي بصيغة الفناء عن الذات في الاخر (او بالذات في الانت وليس الهو) ذلك ان (ظاهرية) (التنصيص) في فنه يغذيها باستمرار ظهور (لخطة الفعل)Action بمظهر الغنى وهي في حالة كونها (خطابا) ربما ليس هو خطاب الاثر الفني نفسه ، بعد ان احكم تنسيقه في جوهر النص Texture .


شاكر حسن ال سعيد / فنان وناقد عراقي
 

Back

 
     

Copyright 2007, www.obaidiart.com.

Powered and Designed by ENANA.COM